ابن رشد
71
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
حمل الجمهور عليها " ، ووضع قانون للتأويل يبين للعلماء ما يجب تأويله وما يجوز وما لا يجوز الخ . . . ، وكيف ؟ - وإصلاح فلسفي ، أعلن عنه فيلسوفنا بكل صراحة في بداية مشروعه الفلسفي ، فكتب يقول في المقدمة التي استهل بها أول كتاب له في الفلسفة ، ما نصه : " فإن غرضنا في هذا القول أن نعمد إلى كتب أرسطو فنجرد منها الأقاويل العلمية التي تقتضي مذهبه ، أعني أوثقها ، ونحذف ما فيها من مذاهب غيره من القدماء ، إذ كانت قليلة الإقناع وغير نافعة في معرفة مذهبه . وإنما اعتمدنا نقل هذا الرأي من بين آراء القدماء إذ كان قد ظهر للجميع أنه أشدها إقناعا وأثبتها حجة [ . . . ] فلنبدأ بأول كتاب من كتبه ، وهو المعروف بالسماع الطبيعي ، ونلخص ما في مقالة [ مقالة ] من الأقاويل العلمية ، بعد أن نحذف الأقاويل الجدلية ، لأنها إنما مضطرّ إليها عندهم في الفحص عن المطالب الفلسفية قبل أن يوقع عليها بالأقاويل العلمية . فأما إذا وقع عليها فلا مدخل لها ( - الأقاويل الجدلية ) في التعليم ، إلا على جهة الارتياض ، ويكفي في ذلك الاقتصار على مسائل محدودة العدد " . - وإصلاح علمي ، وقد دشنه بكتابه " الكليات في الطب " الذي كان من بواكير أعماله العلمية . وقد عمد فيه إلى بناء الطب على العلم ، والعلم الطبيعي خاصة ، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت " كليات " علمية وليس على مجرد التجارب العفوية أو الوصفات الجاهزة التي تعطيها " الكنانيش " . كما أفصح عن رغبته في القيام بإصلاح علمي على مستوى علم الفلك ، أي مستوى تصور نظام الكون ، كي يغدو مطابقا للعلم الطبيعي . يقول في آخر شرحه لكتاب " السماء والعالم " لأرسطو : " ولعلنا إن أنسأ الله في العمر سنفحص عن الهيئة ( - علم الفلك ) التي كانت في عهد أرسطو ، فإنه يظهر أنه لم يكن فيها محال بحسب العلم الطبيعي ، وهي الحركات التي يسميها أرسطو اللولبية " . كان نظام بطليموس ، السائد زمن ابن رشد وقبله ، يقوم على الحساب دون مراعاة تطابق المقدمات التي تعتمد فيه مع نظام الطبيعة . ومع أن النتائج كانت تأتي صحيحة في الجملة ، فإن صحة النتائج ليس دليلا على صحة المقدمات ، بل لا بدّ من القيام بفحص المقدمات لمعرفة مدى صحتها أي مطابقتها للواقع ، وبالتالي لا بدّ من القيام بعملية " التركيب " إلى جانب عملية " التحليل " التي يعتمدها الرياضيون ، فهذه وحدها لا تكفي في بناء الحقيقة العلمية . لم يمهل الأجل المحتوم فيلسوفنا لتحقيق هذا المشروع العلمي ، فقام تلميذه ومعاصره نور الدين أبو إسحاق